السبت، 18 يوليو 2026

⚜︎ الضاحية الغربية .. 12 .. ⚜︎


سلسلة ..


                                   -     12    -

                                .. الرســــــالة ..




            ابتسمت ميساء وهي تضع كوب قهوتها الساخن على الطّاولة الصغيرة .. وضعت 

مرفقها على الطاولة وأسندت رأسها على راحة يدها .. كانت تنظر للساعة الكبيرة المعلقة 

على جدار المقهى فعقرب الساعة يشير للسابعة بعـد المغرب .. 

" لابدّ أنّ السيّدة آمال تنتظر الآن .. وما الذي يهمّ ؟ فلتنتظر .. لن أقبل أيّ مفاوضة .. ولن

 أعتذر لتلك السيّدة .. لن أعـود إلا في وقت متأخر .. فغدًا إجازة  ..الحمد لله "

كان قلبها يخفق فرحًا وهي تتأمّل المقهى الأنيق الذي لفتها ..  إذ حين طلبت من قائدة الحافلة

 مكانًا تشرب فيه القهوة أو تتناول عشاء خفيفًا ..أحضرتها إلى هنا .. إلى ما يسمونه  شارع 

المقاهي .. أخذتْ نفسًا عميقًا وهي تتمعّن في أرجاء المقهى الذي تناثرت على بعض كراسيه

 بعض سيّدات إمّا على موعد أو منفردات بأنفسهنّ شأنها .. طغى على المقهى اللون البني بكلّ

 درجاته .. تتوسط الطاولات الصغيرة إنارات صغيرة وآنية صغيرة وضعت فيها أزهار

 الجيبسوفيلا .. كانت الكراسي ما بين جلد فاخر وقماش أزرق مزهر بألوان الأبيض الحليبي ..  

زيّ السّيدات اللاتي يعملن أيضا مميّز حيث شعار المقهى على مآزرهن كوب قهوة تتوسطه

 زهرة الجيبسوفيليا .. " التفاصيل مذهلة .. وأنيقة .. "

        الهدوء يسيطر على المكان إلا من موسيقا هادئة .. اللّوحات المعلّقة متناسقة جدًا .. 

ورغم جمال المقهى وأناقته إلا أنّها شعرت بالملل ولولا أنّه بين يديها كتاب تقرؤه لكانت

 ظلت تحدّق في الساعة الكبيرة طوال الوقت ..

 

-            2  -

           في الصباح وفي المنزل كانت ميساء تنزل من الدرج وهي ترتدي قميصًا زهريًا 

لمنتصف الساق وسترة رمادية طويلة من الحرير مزينة بزهور وردية حين بادرتها نارين 

باستنكار وعتاب :

_ أوه سيدتي .. متى عدت البارحة ؟!

نظرت بابتسامة نصر :

_ العاشرة والنصف ..

تنهدت نارين قائلة :

_ يا إلهي سيدتي ، لا أقصد التطفل ولكنّ السيدة آمال غاضبة جدًا  ..

توجّهت ميساء للمطبخ ونارين على إثرها :

_  لم أفعل شيئًا يستحق الغضب .. ثم لا أعرف لم جاءت ليلة البارحة ؟!

_هكذا إذن .. كنتُ أعرفُ بأنّك داخل الحافلة ..

اتسعت عينا ميساء بقلق :

_ هل رأيتني ؟! هل رأتني السيدة آمال ؟

أدركت نارين وقتها أنّ ثمّة خطب كبير  :

_ لا ، أنا التي رأيت الحافلة التي أقلتك البارحة .. لقد قلقنا عليك جدًا ..ليست عادتك .. 

لذا تسمّرتُ بجانب النافذة لعلّي أهدّئ من قلق السيّدة آمال قليلا  ..

_ وهل أخبرتها ؟!

_ بالطبع لا يا سيدتي .. وإلا كان الموضوع سيكبر أكثر مما يبدو عليه ..

تنهدت " ميساء " بارتياح بينما أكملت نارين :

_ ولو لم أحاول إقناعها بأنّك لابدّ مع السيّدة " مها " كانت بلّغت الأمن ..

ردت ميساء مندهشة :

_ الأمن ؟! يا لها من مبالغة .. وتصعيد لموضوع شخصي ..

ردّت " نارين " بانفعال :

_ لا يا سيدتي ، ليست مبالغة .. أنت لا تعرفين ما الذي حــد...

سكتت " نارين " فجأة وكأنّما أدركت أنّها قد ترتكب خطأً فادحًا ثم قالت محاولة أن

 تستدرك ارتباكها :

_ سيّدتي ، أرجو أن تتناولي فطورك قبل أن يبرد ..

لكنّ " ميساء " لم يفتها ارتباك نارين :

_ ما الذي لا أعرفه ؟ وما سرّ هذا القلق غير المبرر في ضاحية مسوّرة الدخول إليها 

ليس سهلاً ؟

_ لا شيء يا سيّدتي ، فالسيّدة آمال كانت غاضبة جدًا حين دخلت للمنزل وأصرّت أن تبقى

 حتى تحضري لمناقشة أمر مهم .. وبعد أن تأخرت وأخبرتها بأنّه لم يسبق لك التأخر تحوّل 

غضبها لقلق شديد .. إنه من وجهة نظري مبرر لسيّدة جديدة لم تتعرّف جيدًا على

 الضاحية ..

نظرت " ميساء" وهي تسكب لنفسها الشاي قائلة :

_ لم أقتنع تمامًا .. هل قالت شيئًا ؟ لمّحت لما جاءت من أجله ؟ 

_ السيّدة آمال ؟ إطلاقًا .. ليست شخصيتها ..  لكن لا أريد أن أخيفك .. منذ سنوات لم أر السيّدة

 آمال غاضبة لهذه الدرجة .. كانت منزعجة وتذرع الغرفة جيئة وذهابًا ..

رانت لحظة صمت  قبل أن ترد محاولة إقناع نارين  :

_ كلّ مافي الأمر أنّي أحببتُ  أن أغيّر من أجواء ليلة إجازة نهاية الأسبوع .. لذا قررتُ أن

 أتعرّف على المقاهي ..

تمتمت نارين :

_ أراهن بأنّه هروب من مصيبة قمتِ بها ..

_ هل قلتِ شيئًا ؟

_ لا ، سيدتي .. هل تريدين منّي شيئا أقوم بعمله غير الكي ..

_ لا ، شكرًا لك ..

خرجت نارين تاركة ميساء غارقة في أفكارها ..

 

-           -

  "حرر في يوم الخميس الموافق : 11 / 5 ربيع ثاني 1507هـ "

         كان آخر سطر تكتبه ميساء في رسالتها للسيّدة آمال .. لقد قررتْ بأنّها لا تريد 

مواجهتها ولا تريد أن تبرر فكلّ ما كتبته واضح وترجو أن يكون مقنعًا لها   ..

وضعتْ القلم والتفتتْ نحو الّنافذة بعـد أن هبّت نسمات جميلة جعلتها تتنفس الصّعداء ..

 " أظنّ بأنّي سأخرج لأقرأ في الحديقة .. قبل أن تداهمني السيّدة آمال "

كانت الساعة الثالثة والنصف .. دخلتْ نارين بهدوء ووضعت كوب القهوة على

 الطّاولة  بصمت غريب ..

تركت ميساء المكتب ووقفت على النّافذة تحتسي قهوتها .. دائمًا ما تحب شرب القهوة 

في ذلك المكان .. ورغم أنّ النافذة لا تطلّ على حديقة شاسعة أو منظر خلاّب إلا أنّها تودّ 

أن تتعرّف على الطفلة الصغيرة التي تراها بين الحين والآخر لكن لم يتسن لها رؤيتها

 مؤخرًا .. " هل هي بخير ؟ إنّي حقًا أتساءل يا ترى لماذا لم أرها أبدًا في الخارج ؟ على

 حسب تقديري فهي بين الخامسة والسادسة وهذا السنّ يحب الانطلاق .. غريب ! حتى 

السيّدتين اللتين معها لا أراهما كثيرًا ..الأمر حقًا غريب !  "

 صوت  أذان العصر انطلق في الأرجاء .. وضعت الكوب بسرعة حتى تتجهز سريعًا إذ

 عليها أن تمرّ على صندوق البريد الموجود في وسط الوحدة السكنية ثم تتجه لمكان 

انتظار الحافلة التي تقلّ السيّدات للحديقة !

 

-           -

           كانت الحديقة جميلة للغاية .. والأجواء جدًا ممتعة .. البحيرة التي تمتد أمامها

 أعطت المكان منظرًا خلابًا .. وضعت المفرش بالقرب من البحيرة .. كان الشاي وقطع

 البسكويت المالح هو كلّ ما أحضرته معها .. تمددّت وهي متكئة على الكرسي الأرضي

 وأخذت تقرأ بحماس .. صوت الطيور يجعلها تقطع قرأتها بين حين وآخر لتتأمّل المنظر 

البديع  ..

_ لم أتخيّل أبدًا أن تخرجي اليوم !

التفتتْ لمصدر الصوت :

_ مها !

_ السلام عليكم .. كيف حالك ؟ فاجأتكِ صحّ ؟

اعتدلت ميساء في جلستها :

_ وعليكم السلام .. جدًا  ..

ثم لم تستطع منع نفسها من الاستطراد :

_ هل تتبعيني ؟!

_ يالك من متشككة !  أنا أمر من هنا كثيرا بسبب البحيرة يبدو أنّك لا تعرفين أنّها البحيرة

الوحيدة هنا ..

_ يوجد بحر أيضا ..

_ لكنّ  أغلب السيّدات وأنا منهن يعجبهنّ النظر إلى البحيرة والاستمتاع بالمنظر الخلاّب ..

ولذا أجد الكثير ممن أعرفهم هنا ليقضين إجازة نهاية الأسبوع ..

_ هكذا إذن !

_ بالمناسبة لم أتوقع أن تخرجي اليوم أبدًا ..

_ لماذا ؟! أ بسبب ما حدث الأمس ؟! لم أرتكب جرمًا ..

_ على مهلك  .. لم آت لأتحدّث عن هذا الموضوع ..

نظرتْ لها ميساء بتشكك لكن مها استطردت :

_ أمور العمل تناقش في العمل .. هذه سياستي ..

نظرت " ميساء " لها بابتسامة ثم قالت :

_ مادام الأمر كذلك .. تفضلي ..

تركت لها مساحة لتجلس .. ابتسمت مها قائلة :

_ الحمد لله .. صار مُرحبًا بي ..

_ لا ، ليست الفكرة ، لكنّي أعتقد بأنّي فعلتُ الصواب هذا كلّ شيء .." مها " أنتِ

 مرحب بك في أيّ وقت .. حقا أقول ذلك بصدق ..

جلست مها بابتسامة :

_ أنا سعيدة لذلك ..

سكبتْ لها الشاي ومدّتْ لها بقطع من البسكويت وهي تقول :

_ ضيافتي المتواضعة ..

_ شكرًا لك .. ستكون  أجمل ضيافة ..

رمقت الكتاب الذي كان بين يديها قائلة :

_ أنت تحبين هذا النوع من القصص ..

_ لا ، لكني أردت أن أجرّب شيئًا جديدا .. ليست كما تظنين مزرعة الحيوان حتى

 الدجاجة التي حلمت بالطيران " كلها قصص رمزية عميقة .. تشبه إلى حدٍ ما فكرة 

كليلة ودمنة ..

ابتسمتْ مها :

_ قرأتُ " مزرعة الحيوان " رغم ذلك أحب القصص الواقعية أكثر ..

ثم تنهدتْ وهي تمسك بكوب الشاي  :

_ من الجيّد أنّه ليس كوب قهوة كنت أحتاج كوبًا من الشاي .. شكرًا لك ..

رشفت من الكوب وتنفست بعمق قائلة :

_ ياااه منذ فترة طويلة لم أنعم بلحظة كهذه ..

_ سعيدة بأنّك مستمتعة .. ولكن هل أتيت حقا لمقابلة صديقة ؟

_ الحقيقة لا ، فلستُ على موعد .. ولكني دائمًا ما أمر من هنا .. فألمح أشخاصًا أعرفهم ..

فأضطر للمرور للسلام وقد ينتهي الأمر بمجالستهم .. كما هو الحال الآن ..

التفتتْ لها ميساء متسائلة :

_ لا تبدين اجتماعية أبدًا ..

_ أنت محقة .. فعلاقاتي وصداقاتي محدودة للغاية .. لكنّي أحب النّاس ..

_ هذا واضح حتى في العمل .. مع أننا في غرفة واحدة إلا أنّك لا تتحدثين كثيرا ..

_ ماذا أفعل ؟ حاولتُ أن أكون اجتماعية ولكن يبدو أنّني فشلت ..

_ لكنك ودودة .. إنّك محبوبة من الجميع .. الجميع يتمنّى صداقتك .. رقيك .. مساعدتك

للجميع بشكل ودود وبحب يجعلنا رغما عنا نحترمك حتى لو كنّا نختلف معك أحيانًا ..

ابتسمت لها " مها " قائلة :

_ ياله من إطراء أخشى أنّك تبالغين ..

_ بل على العكس ..

_ حسنا بما أنّك أبديت رأيك فيّ  فأنا بدوري أرى أنك شخص مميز وعملي للغاية رغم 

أنّك تتحدثين مع من حولك وتذهبين لشرب القهوة في الغرف المجاورة لنا إلا أنّك منجزة

 في عملك وهذا حقا ما أثار فضولي ..

كانت عينا ميساء تنبض بالفضول أكثر لترى انطباع " مها " عنها في حين أكملت مها :

_ أشعر بأنّك تستطيعين عقد صداقات وعلاقات كثيرة ..

_ اممم  .. تصدقين .. حين كنت في المدرسة وحتى الجامعة وما بعدها  كلّ شيء كان تحت

 سيطرتي .. كنت في لحظات أستطيع أن أكوّن صداقات سريعة وبأفضل الأساليب ..لكن الآن .. 

يبدو أنّي لستُ ماهرة بالقدر الذي كنت أتوقعه .. حين غيّرتُ المكان اكتشفتُ أنّي لا أمتلك 

مهارة اكتساب الأصدقاء بسرعة ..

_ ربما ليست المشكلة في المهارة بل في النضج والوعي ..

_ ماذا تعنين ؟

_ أعني بأنّ المرء الواعي كلّما كبر اتسعت آفاقه أكثر .. ومعاييره تصبح مقننة ومحددّة

 بشأن الأشخاص الذين حوله والذين يقابلهم ..

_ أتعتقدين ذلك ؟

_ ربما ..  مجرّد تحليل .. ثم لا تنسي عامل الوقت .. فأنت تعتبرين ساكنة جديدة لم يمرّ

 على وجودها سوى شهر .. آآآآآ .. هل لي أن أتجرأ وأسألك سؤالا ؟ ربما هو خاص

 والكثيرات لا يحببنه ..

_ تفضلي ..

_ هل أنت في الأربعين ؟

ابتسمت " ميساء " وهي تقول  :

_ حسنا .. لا أحب هذا السؤال .. ومع ذلك فأنت زميلة عمل .. ونجلس مع بعضنا خمس 

ساعات يوميًا .. امممم نظرت يمنة ويسرة حيث أصبح المكان ممتلئًا بالكثير من السيّدات 

ثم همست بقلق :

_ بقي عام وأدخل الأربعين .. لا تخبري أحدًا .. إيّاك ..

ضحكت مها بصوت عال ثم تداركت نفسها وهي تقول :

_ لا تقلقي ، بيننا خمس سنوات .. عمري أربع وأربعون  .. وسأدخل الخامسة والأربعين 

بعد شهرين ..

_ اشش اخفضي صوتك .. هكذا تقولينها بكلّ سهولة ..

نظرت لها مها باستغراب وهي تردّ :

_ لا مشكلة لدي .. كل من أعرفه يعرف عمري .. 

عقدت " ميساء " حاجبيها فجأة .. وبدا على وجهها عدم الارتياح  نظرت للجهة التي تنظر 

لها " ميساء " ثم أشاحت النظر سريعًا :

_ ما الأمر ؟ هل رابك شيء ؟

قالت " ميساء " بهمس :

_ تلك السيدة .. التي تجلس هناك .. 

استرقت " مها " النظر ثم عادت تنظر للأمام سريعًا في حين أنّ ميساء أكملت :

_ قابلتُها قبل فترة هنا في الحديقة ..  أذكر أنّها عرفت بنفسها " جمانة " .. وها هي الآن 

تتلصص علينا ..

كانت دهشة مها كبيرة :

_ تتلصص ؟! إنها السيدة " جمانة " لها شعبية هنا ..لا يجب أن تستهيني بها ..

_ حتى لو كانت المالكة ذاتها  لا أهتم .. إنها لم تكلف نفسها عناء دعوتي بلطف ذاك اليوم .. 

شعرتُ يومها بحنق شديد .. تحدثتْ معي وكأنّها تريد أن تقول لي بأنّها هي المسيطرة هنا ..

حتى نظراتها لي .. حتى حينما التقينا مرّة أخرى حين أتيت الأسبوع الماضي لم تهتم .. 

المشكلة أنّ منزلها يقابل منزلي من جهة اليمين .. 

ابتسمت مها وهي تعلّق :

_ يبدو أنّ لديك هواية اسمها المعارك مع من لهم شأن ..

إلا أن " ميساء " ماتزال مستطردة في حديثها بهمس :

_ لقد ظنّتْ أني سأطلب منها وأتودد لها بأن تتعطف وتسمح لي بالانضمام لهنّ ..

_ يا إلهي ، أنا مندهشة من طريقة تفكيرك !

_ لا تندهشي .. لا أحب من لا يكون ودودًا معي .. انظري يبدو أنّها مذ جلست  وهي

 تسترق النظر  لنا .. حتى أنّها أحيانًا  لا تشيح ببصرها عنّا .. وكأنّها تحاول أن تقرأ حركة

 الشفاه لتفهم ما نقوله ..

_  لا تبالغي .. ثمّ دعيها تنظر .. فالعين لها بحرها كما يُقال ..

ابتسمت "ميساء" بزهو وهي تكمل هامسة :

_  أتعلمين ؟ لقد خيبت أملها المسكينة .. دائمًا ما أراها هي وعدد كبير من النساء يجلسن

 مع بعضهن البعض .. وأتجاهلهنّ .. إنهنّ يبدون لي متعاليات ..

_ حسنا ، لا أستطيع الحكم على أشخاص لم أجلس إليهم وأتحدث معهم .. بعض الناس

 تظلمهم أشكالهم .. عليك أن تستفيدي من الرواية التي بين يديك .. وتكوني سياسية 

ودبلوماسية ..

_ وإن يكن .. أنت لا تعرفين هذا النوع من النساء .. أخخخ إذا تذكرت ذلك اليوم ..

وشرعت " ميساء " تحدثها كيف انطباعها ذلك اليوم وعن الضاحية وشعورها تجاه من

حولها حتى في العمل ..استمرّ الحديث بينهما قرابة الساعة .. قاربت الشمس على المغيب 

حين قالت لها " مها " :

_ لم أشعر بالوقت معك .. شكرًا لك كنت أحتاج إلى هذا الفاصل ..

_ أنا أيضًا سررتُ بتواجدك معي .. أرجو أن يتكرر المرور من هنا سأرحب بكِ دائما ..

_ سأحاول ..

قالت ذلك وهي تقف بينما "ميساء" تنظر لآخر قرص من الشمس وهو يتوارى عن الأنظار ..  

وضعتْ أغراضها في السلّة  .. حملتْ الكرسي الأرضي .. وساعدتها " مها " في ذلك ..

 وغادرتا .. لم تكونا الوحيدتين .. بل جمع كبير من السيدات بدأن يغادرن .. وكأنّ المكان

 بعد غروب الشمس يمسي موحشًا ..

 

-           -

             كانت " ميساء " تجلس على أريكتها وهي تشعر بسرور كبير .. فهي اليوم

 تعرّفت على زميلتها " مها " عن قرب بعيدًا عن العمل وتفاصيله ومواضيعه ..

 أيًّا كان الغرض الحقيقي الذي جاءت من أجله إلا أنّ الحوارات التي تطرقتا إليها كانت 

ممتعة للغاية .. قطع شرودها وتأملها صوت " نارين " :

_ سيّدتي ، هل تريدين العشاء الآن ؟

نظرت للساعة التي تشير للثامنة والنصف :

_ لا، مازال الوقت باكرا ..

_ أوووه كدت أنسى ..

وهرعت نارين راكضة لبهو الاستقبال عند الباب حيث سمعت ميساء صوت درج الطاولة

 يُفتح ويُغلق سريعا في حين اعتدلت " ميساء "  في جلستها وهي تراها مقبلة بحماس  

تحمل ظرفًا أخضرَ وترسم ابتسامة  :

_ وأخيرًا سيّدتي .. وصلت رسالتك ..

أمسكت بالرسالة وهي تتأمّل لون الظرف الأخضرالمختوم بختم ذهبي من الشمع على

 شكل وردة  :

_ رسالتي  ! ولم تقولينها وكأنك تعرفين مرسلها ..

_ ألا تعرفين بأمر هذه الرسائل ؟!

عقدت حاجبيها باستغراب :

_ لا .. لا أعرف !

وفتحت الظرف بسرعة وحماس .. كانت عيناها تنتقل بين سطر وآخر بانسجام شديد 

وكأنّها انقطعت عن العالم .. حين انتهت من قراءة الرسالة  لم تجد نارين أمامها .. 

" كُتبت قبل يومين .. لأوّل مرّة أعرف عن هذا الأمر!وبسرعة اتجهت  لنارين 

في المطبخ  :

_ نارين .. نارين .. هل هذا الشيء مدرج في الدليل ؟

نظرت لها نارين التي كانت تجلس على طاولة الطعام وبيدها مفكرة صغيرة أقفلتها 

على الفور :

_ أيّ شيء سيدتي ؟ تقصدين الرسائل ؟

_ أجل ..

_ بالطبع لا ..

_ إذن كيف تتوقع منّي أن أعرف بأمرها ..

_ حسنا أنا مندهشة بأنّك لا تعرفين شيئًا عن موضوع الرسائل هذا .. ففي الغالب أول

 ما تعرفه النزيلات الجديدات ويسألن عنه كثيرا ..

_ لِم لم تخبريني بأمره ؟

_ توقعتُ أن تخبرك السيدة " سيرين " .. ثم لا يحق لي أن أتحدث في شيء لم تسأليني

 عنه ..

_ " سيرين " ( تنهدتْ ) .. للأسف .. اتضح بأنها لم تخبرني بأي شيء لا أعرف ما 

قصتها في الآونة الأخيرة .. اسمعي أحتاج أن أعرف كلّ شيء عنه الآن ..

وجلستْ أمامها على طاولة الطعام بينما أكملتْ "نارين " :

_  إنّه تقليد بدأ قبل أكثر من عشر سنوات  بعد أن كبرت الضاحية وكبرت معها بعض 

الأمور .. بدأتْ به السيّدة إشراق كفكرة ولاقت استحسان الجميع .. وخففت من حدّة

 المشاكل بين السيّدات في جميع الوحدات المختلفة .. الأمر المثير هو أنك لن تتعرفي 

على السيّدة التي ترسل لك الرسائل أبدًا ..

_ أبدًا؟ ولا بعد سنة ؟

_ الأمر ليس سنويًا بل مدى إقامتك هنا ما لم يطرأ للسيّدة التي ترسل لك  أيّ طارئ ..

_ يا له من أمر غريب .. لكنّها أرسلت العنوان .. وسأعرفها من خلاله ..

_ كلا يا سيّدتي .. حسب ما فهمت بأنّ العنوان الذي ترسلين له عبارة عن رمز سري

 بينك وبينها ..

_ لم أفهم !!

_ هذا أقصى ما أستطيع أن أشرحه لك سيدتي .. كيف تصل الرسائل لكلا الطرفين هذا 

شيء استغلق علي فهمه !

تركت طاولة الطعام بينما تأملتها نارين قائلة :

_ سيدتي ما رأيك أن أعدّ العشاء الآن ..

_ نعم ، أعتقد أنّي أشعر بالجوع الآن !

 

-           -

     " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

إلى ابنتي  ميساء ألمع ..

أرجو أن تكوني بخير في منزلك وسكنك الجديد ..

هذه أول رسالة مني لك لذا أرجو أن تكون خفيفة ولطيفة على قلبك   ..

قد تتساءلين من أكون .. أنا سيّدة الظلّ الخاصة بك .. أي الصديقة السرية التي 

قد لا تعرفينها ..  ومؤكد سمعتِ عنّا مسبقًا وربما كنتِ بشوق تنتظرين هذه الرسالة ..

ومع أنّك ربما سمعتِ الكثير عن فكرة هذه الرسائل ومع ذلك أنا ملزمة بشرح بعض 

التفاصيل لكِ .. لا سيما في أول رسالة لك ..

فكرة هذه الرسائل ليست عبثية .. ولاهي حتى من باب المتعة وتزجية الوقت 

بل هو لتبادل الأفكار والنصائح وتذليل الصعوبات التي قد تواجهينها هنا .. إذ ثمّة

 الكثير من التفاصيل المزعجة تمر بالنزيلات الجديدات  خصوصًا في السنة الأولى 

لذا سأحاول بقدر ما أستطيع أن أكون اليد التي تساندك وتدعمك وتوجهك وتوضح

لك التفاصيل التي قد تفوتك .. وعليّ أن أنوه أنّ هذا الأمر لايخصّ السنة الأولى 

لك ..  بل حتى آخر يوم لك في الضاحية الغربية وبالطبع أن أستقبل رسائلك 

واستفساراتك الخاصة على العنوان المدرج على هامش الرسالة .. وسيكون 

خاصًّا بيني وبينك لا يجب أن يعرفه أحد تحت أيّ ظرف ..

ابنتي إن صحّ أن أعتبرك كذلك .. أهنئك على عملك الجديد .. وعلى الأصداء

 الطيبة التي وصلتني عنك .. مع أنّ الغالب يختلف معي ولا أجرؤ حتى مناقشتهنّ

 في ذلك لكنّي أحببتُ شجاعتك جدًا .. ولا عليك ممّا يُقال كوني صامدة وقوية ..

 فأنت تسيرين في الطريق الصحيح .. 

وأخيرًا ..

أتوق أن أراك في الحفل الذي ستقيمه السيدة " إشراق " بعد شهر 

للنزيلات الجديدات ..

        دمت دائمًا بخير .. 

                                               سيّدة الظلّ  

حررت في يوم الثلاثاء :      9/ 5/    1507 هـ

 

العنوان : سيدة الظل ( ( ك .1025 - 00189 ص . س . ب ) " 

 ما تزال " ميساء " تمسك بالرسالة وتتأملها مرارا وتكرارا وبإمعان شديد .. 

كانت تجلس  في غرفة المكتب بعد أن تناولت العشاء ..الساعة العاشرة والنصف

 قبل منتصف الليل ..

" هذه السيدة تكتب بخط جميل .. ربما ليست من كتبتْ هذه الرسالة .. "

تنهدت بابتسامة .. "  الجميل في الأمر أنّها تؤيد تصرفي مع تلك

 السيدة .. هذا يعني أنّ الخبر انتشر .. هل من الممكن أن تكون سيّدة الظل

السيّدة آمال ؟ ربما بعد أن وصلتها الرسالة وقفت على حقيقة تصرفي

 الصائب وأنّه مهما كانت منزلة الشخص ومكانته لا يجب أن يتجاوز حدوده ..

لا ، السيدة آمال ليست من هذا النوع .. إنّها صارمة جدًا فيما يخصّ التقاليد 

والمجاملات أو هكذا أظنّ .. "

" يا ترى كم عمرها ؟! مؤكد سيدة كبيرة وكنّها تبدو منفتحة ومرحة .. "

تنهدت وهي تتأمّل كلّ شيء حولها مؤخرًا .. 

" على الأقل هذه الرسائل إلى حد ما مبهجة وستكسر الجمود الذي أعيشه 

هنا   " 

وضعت الظرف على الطاولة أمامها .. وشردت بذهنها نحو تلك اللحظة 

التي وجدت فيها الرسالة من " سيرين "  .. 

سيرين .. أيضًا هذه السيدة التي اندفعت نحوي وطلبت صداقتي لمجرد

 أن سكنت وبعدها بدأت تعتذر عن مقابلتي  .. ثمّة شيء غير مفهوم في 

سلوكها .. خصوصًا حين طلبتْ منّي عدم إخبار أحد باجتماعنا .. صحيح 

تقابلنا بعدها .. لكن .. ثمّ هل يوجد قانون هنا حقا يمنع النزيلات الجديدات 

بأن لا يختلطن بأحد ؟! لايمكن أن تكذب علي .. لا .. لا .. لست أدري بدأتُ

 أشعر بشيء غريب تجاهها .. "

اعتدلت جالسة بعد أن كانت مستلقية ووضعت الظرف داخل درج صغير

 في مكتبها ..

ثم وقفت تتأمل دفتر يومياتها ..اقتربت من النافذة وهي شاردة في أفكارها ..

" حضور مها أيضا للحديقة أنا متأكدة أنّه لم يكن بمحض الصدفة .. هل جاءت

لتضغط علي في موضوع السيدة أمل  بدافع من المديرة منال ؟"

تأملت النافذة المغلقة والتي أسدل ستارها منذ أسبوع تقريبا .. في تلك اللحظة :

_ سيدتي ، الشاي الأخضر ..

التفتت لنارين بابتسامة وهي تضع كوب الشاي على المكتب : شكرا لك ..

_ هل تريدين أن أقوم بأي شيء ؟ فغدا سأغادر صباحًا ..

_ لا ، شكرا جزيلا ..

تأمّلتها وهي تخرج من الغرفة أمسكتْ بكوب الشاي وهي مازالت تفكر

" أيضا نارين حديثها اليوم وارتباكها إذ تمالكت نفسها عن كلام كاد أن يخرج

بشكل تلقائي !! هل حدث شيء ما فيما مضى ؟! وما أبعاد حدود هذا الشيء 

لدرجة التكتم عليه .. من الممكن أنّ هذه الضاحية كبرت على  كومة من

 الأسرار ! "

رشفت من الشاي وهي تجلس على كرسي المكتب وتفتح دفتر يومياتها ..

شعرتْ تلك الليلة بأنّها في وسط أمواج رهيبة تتقاذفها .. الكثير من التفاصيل

والأمور التي وردت على ذهنها وكأنّها تحاول أن تربط المواضيع ببعضها

لتصل للحلقة المفقودة ..

 يـــتــــبــــــــع 

                                           الكاتبة
 
                                  حنان الغامدي