سلسلة ..
.. روح متشكّكة ..
_ أين
كنتِ كلّ هذا الوقت ؟
التفتت
" ميساء " تجاه مها التي ابتدرتها بالسؤال وهي تدخل المكتب حيث ردّت
عليها وهي
تضع
كوب قهوتها على المكتب :
_ كنت
في الخارج أشرب قهوتي ..
_ لقد
أتيتِ باكرة .. منذ نصف ساعة !
_ لم
يبدأ الدوام فعليًّا إلا الآن .. انظري ..
وأشارت
إلى الساعة .. التي كان عقربها يشير للثامنة تمامًا وهي
تستطرد :
_أهم
شيء أنّي على الموعد ..
نظرت
لها " مها " باندهاش :
_ يا
لك من ماكرة ؟!
بينما تنفّست
" ميساء " بعمق :
_
الحمد لله أنّ اليوم الأربعاء .. حيث تبدأ إجازة نهاية الأسبوع ..
كم أتوق للاسترخاء ..
ردّت
" مها " بتهكّم :
_ انتظري
على الأقل عدّة شهور لتشعري بهذا الشعور !
_ بعد
كلّ العواصف التي مررنا بها هذا الأسبوع من أجل تلك السيدة لابدّ أن أشعر
بهذا
الشعور .. عمومًا ليس هذا هو موضوعنا ..
ثم
جلست على مكتبها وتكمل :
_ لا تنسي ما وعدتني به بداية الأسبوع ..
_ وعـد
؟!
_ إممم
بدأنا منذ الآن نتهرب !
ابتسمت
" مها " وكأنّما الجملة
الأخيرة جعلتها تتذكّر :
_ لا ،
لا تقلقي أنا على وعدي .. لكنّي تذكرتُ لقاءً مهمًا عليّ
أن أذهب إليه أولاً ثم
نذهب
لشارع القرطاسيات كما وعدتك .. حسنًا ما رأيك بأن نلتقي في مقهى أحب
ارتياده دائمًا ؟
_ لا
بأس ، لكن هل هذا اللقاء في مكان لا يفترض
أن أرافقك فيه ؟
_ لا ، على
العكس لكن أخشى أن تشعري بالملل إذ سأبقى هناك ساعة إلا إذا كنتِ
ستتحملين الانتظار فيسعدني أن ترافقيني ..
ردّت "
ميساء " بحماس :
_
بالطبع سأتحمّل .. على الأقل سأتعرّف على مكان جديد في هذه الضاحية
!
_ إذن
سنكون على موعدنا ..
لم
تسأل " ميساء " عن المكان فطالما
سترافقها أحبت أن يكون مفاجأة لها .. تنهدت
بشوق :
_ متى
يأتي الغد ؟!
في تلك
اللحظة التي بدأتا فيها مباشرة عملهما فتحت زميلتهما الباب بسرعة وهي تقول :
_
اجتماع طارئ ..
نظرتا
بدهشة لكليهما بينما عقّبت " ميساء " :
_ اللهم
بك اصبحنا.. نحن حتى لم نبدأ عملنا الأساسي !
ابتسمت
" مها " وهي تقف على عجالة وكأنّها
تشير بابتسامتها بأنّ هذا هو العمل
فثمّة طوارئ مفاجئة على مدار الأيّام ..تبعتها
" ميساء " لتتوجّها
إلى قاعة
الاجتماعات ..
- 2 -
في صباح اليوم التالي مضى الوقت سريعًا دون أن تشعر حين توقفت شبكة
الإنترنت .. وقتها فقط انتبهت " ميساء " للسّاعة .. كانت تشير للواحدة مساء بعد الظهر ..
وكأنّما
لدغها شيء إذ نهضت مسرعة بعد أن وضعت هاتفها وأدّت الصلاة ثمّ
عادت لغرفة
المكتب وهي تشعر بانزعاج وتتمتم :
_ آآآه
.. إنّهم يجعلوننا ننسى أنفسنا ، لابدّ
من حل لساعات الشبكة المحدودة .. لابدّ
أن يتغيّر النظام ..
تنهدتْ
باستياء وهي تتمدّد في غرفة مكتبها حين سمعتْ أحدهم يفتح الباب الرئيس
وقفتْ بسرعة وخرجتْ لترى من أعلى الدرج :
_
نارين ! أين كنتِ ؟
_ كنتُ
أتبضّع وأحضر بعض الخضار ..
_
ولماذا لم تخبريني ؟!
تأمّلتها
" نارين " باستنكار :
_ لقد
أخبرتكِ وعرضتِ عليكِ إن أردتِ أن ترافقيني أو تحتاجي شيئًا وأشرتِ لي بالنّفي ..
_ متى
؟
ردّت
بامتعاض واتجهت للمطبخ :
_ وأنت
تمسكين هاتفك !
شعرتْ "
ميساء " بإحراج وسحبتْ نفسها بهدوء " يا إلهي أمن المعقول
بأنّي لم أشعر
بها حتى ؟
يا له من أمر مزعج .. عليّ الاعتراف بأنّه أمر مخجل ألّا أسيطرُ على
حواسي ..
ماذا دهاني ؟! " عقدتْ حاجبيها في استنكار " لِمَ أبنِ لكلّ حَدَث قبّة ؟!
هل
سأظلّ أجلد نفسي هكذا ؟ منذ أن دخلتُ هذه الضاحية وأنا
أشعرُ بشيء
غريب ..
عليّ أن أهدأ وأسيطرَ على انفعالاتي .. " ثم ابتسمت " اهدئي
يا ميساء
يحدث
أن يسهو المرء "
تأمّلتْ
الأسبوعين الماضيين .. كانا هادئين إلى حدّ ما ..
لا يوجد جلبة سوى في العمل
بسبب
حادثة السيّدة " أمل " ، حتّى السيّدة
آمال لم تظهر منذ ذلك اليوم ولم تردّ حتى
على
رسالتها .. وقد فكّرتْ كثيرًا في أن تذهبَ إليها ..
ولكنّها آثرتْ أن تثبتَ على موقفها
خصوصًا
كلمّا تذكرتْ كلام سّيدة الظلّ .. إضافة
لذلك فقد توقفتْ السيّدة "منال" المديرة
عن طلب
الاعتذار .. واكتفتْ بعد أسبوع من العواصف والاستدعاءات
المكتبية بأن مرّرتْ
لائحة
عمل داخلية جديدة مفادهها بأنّ العمل يبدأ من التواجد في المكتب ..
ابتسمتْ
ميساء وهي تتذكّر الأحداث بشكل سريع ..
" لا يهم كلّ ذلك .. المهم أنّ
ساعات
العمل لها وقت محدد للبدء فيه والانتهاء منه ..
انتصار صغير لكنّه لا يغير
شيئًا في صالحي مع الأسف .."
تنفست بعمق وهي تجلس على أريكتها ذات المقعدين في غرفة المكتب وأغمضتْ
عينيها
وهي تشرب بقايا القهوة الباردة .. وكأنّها
تعيشُ حلمًا رائعًا .. فالشيء الجميل
من كلّ هذه الزوبعة هو توطّد علاقتها بـ "
مها " إذ خلال الأسبوعين الماضيين كانت
علاقتهما
تكبر بشكل تلقائي وجميل مع أنّها ماتزال متوجّسة وقلقة بعد تجربتها مع
"
نسرين " التي لم تعد تجيب حتى على مكالمتها الهاتفية .. لذا لم
تعد راغبة هي
الأخرى
في التمسّك بتلك العلاقة التي باتت تشبه إلى حدّ كبير خيوط العنكبوت
الواهية
.. ورغم أنّها قررت تجاهلها والتركيز على
علاقات جديدة إلاّ أنّها
ماتزال
تشعر بأنّ لديها رغبة ملحّة في مواجهتها ..
لديها كلام تريد أن تخبرها به
"
كيف أخبرها بما لديّ دون أن أكسر كبريائي ..
أشعر بمرارة كلّما تذكرتُ جمال
بدايات
تلك العلاقة والتي ظننتُ بأنّها ستكون صداقة للأبد .."
وبعد
التفكير لمعتْ عيناها وكأنّها توصّلت لشيء ما !
- 3 -
بعد الغداء فتحت " ميساء " الباب الرئيس وخرجت تتأمّل الطقس .. فالأجواء
بدأتْ تعتدل وحين وقع بصرها على صندوق البريد تهللتْ أساريرها وهتفتْ :
_
وأخيرًا ..
انطلقت
بسرعة لتمسك الصحف الثلاث والمجلتين التي كانت قد طلبت الاشتراك فيها
قبل
أسبوعين .. أخذتها كلها دفعة واحدة وأغلقت الباب خلفها
بقدمها واتجهت بحماس
لغرفة المعيشة وفرشتها على الطاولة وأخذت
تتأمّلها .. وتقرأ الأخبار .. وتنظر
للإعلانات
.. كلّ
شيء مثير بالنسبة لها .. " رائحة الصحف تبدو رائعة "
نظرت للساعة وتمتمت :
"
إنّها الثانية .. جميل لدي ساعتان لأغوص في هذا الجمال "
_ سيّدتي
.. هل ستشربين الشاي هنا ؟!
_ أجل ..
_
لكنّي وضعتُه لك في المكتب ..
_
أعتذرُ منك " نارين " لكنّي سأجلس هنا ..
ابتسمت
" نارين " وهي تتمتم :
حماس البدايات بأيّ شيء جديد يبدو مثيرًا ..
بدت نظراتها متألقة وكأنّما تذكرتْ شيئًا من الماضي .. ثم
تركت الغرفة لتحضر الشاي ..
مرّتْ
الساعتان دون أن تشعر بهما ..
_ سيّدتي
.. أليس لديك موعد اليوم ؟
_ بلى ..
وبسرعة
رمقت الساعة .. ورمت المجلة من يدها سريعًا وهي تركض
سريعًا :
_ ما
الذي دهاني اليوم ؟
أسرعت
لتجهّز نفسها .. وبالفعل ارتدت سروالاً زيتيًّا واسعًا ..
وقميصًا أبيضَ مطرزًا
بورود
صفراء وأوراق شجر خضراء .. تنتهي أكمامه بمطاط فيه
دانتيلا مخرّم يصل لما
بعد
المرفق بقليل .. أخذت قبعتها ذات القش الأبيض والتي ربطت حول
تاجها شريطًا من
الحرير بلون السروال ..
حملت حقيبتها ذات اللون الجملي .. وارتدت حذاء مريحا
بلون
الحقيبة .. بدتْ أنيقة وهي تنظر لشكلها .. تأمّلت
زينتها .. ومساحيق التجميل
الهادئة جدًا .. وخرجتْ على عجل بعد أن أخبرتْ " نارين " بأنّها قد تتأخر اليوم
بعد خروج " ميساء تأملت " نارين " الغرفة وهي تنظرُ لغرفة المعيشة المبعثرة ..
ثم حدثت نفسها :" النساء يتشابهن أحيانا في الكثير من التفاصيل مهما اختلفت
أعمارهنّ .."
اقترب من الصحف وجلست تتأملها وتتصفّحها .. غرقتْ في ذاتها قبل خمسة عشر
عامًا .. كيف دخلت الضاحية وهي تشعر بسعادة لاختيارها عاملة بعد التنافس
مع مئتين .. إذ تمّ قبول مئة عاملة فقط ..
الأمر
الذي كان بالنسبة لها حلمًا لاسيّما وأنّ الأجر كان عاليًا في ذلك الوقت ..
هي تعلم أنّها ستعيش في هذا العالم حتى يتسنى لها أن تغطّي نفقات ابنتها في الثانوية
والجامعة ..
كان الأمر في البداية ممتعًا .. لكن سنة تلو أخرى بدا البريق يختفي ..
والأحلام
تتكسّر .. والآمال تذوب في سراب الواقع المؤلم ..
مسحت دموعها ونهضتْ ترفع كلّ شيء .. يكسر الصمت دمعًا تسلل بصمت من
عينيها !
- 4 -
وقفت على الرصيف وهي تتأمّل المارّات .. وأعمدة الإنارة التي تنتهي بزجاج
دائري والأشجار المشذّبة وكراسي الانتظار ما بين
مسافة وأخرى ..
جلستْ
تنتظر قدوم " مها " .. وماهي إلا ربع ساعة حتى ابتسمت حين رأتها
قادمة
ترتدي فستانًا هادئًا جميلاً لمنتصف الساق بلون أزرق .. طويل الأكمام تنتعل حذاء
عاجيًّا .. وحقيبة بيضاء .. حيّتا بعضهما .. ثم سارتا بمحاذاة الرصيف لتنعطفا في
طريق طويل ينتهي بحافلة ذات لون أزرق .. صعدتا للحافلة .. بدتْ " ميساء " متحمّسة
للغاية ..حين جلستْ على المقعد بجانب النّافذة سألتْ مها :
_ أين
يقع المكان الذي سنتجه إليه ؟
_ سنتجه
مباشرة إلى شارع القرطاسيات ..
تبدّدت
الابتسامة وعلت الدهشة وجه " ميساء " التي
خاب أملها قائلة :
_ قلت
أن لديك وجهة وأنّك ستصحبينني معك ..
_ حسنًا
، الحقيقة تقدّم الموعد .. لذا لم يتسن لي إخبارك ..
لقد كان أشبه بالاجتماع
الطارئ
لجمعية السيدات ..
_ هل
أنت من جمعية الأيادي الخضراء ؟ هل رأيت السيّدة آمال ؟
_ أوه
كلا .. إنّها جمعية تطوعية لبعض التفاصيل الخاصّة
بالسيّدات المسنّات .. وخشيتُ
أن أعطلك لكن الحمد لله أنّه تقدّم الموعد ..
_ هكذا
إذن .. الحمد لله ، ظننته مكانًا جميلاً ..
_ إنّ
المكان جدًا جميل يُدعى بيت الاجتماعات ..
والحق إنّه أشبه بقصر كلاسيكي
أنيق ..
_
حقًا .. خسارة لقد فوتّ علي رؤيته .. لقد وعدتني بأن تأخذيني معك ..
_ أعدك
بأنْ أعوضك الأسبوع القادم .. هذا وعد .
_ حسنًا
سأسامحك هذه المرّة بناء على المكان الذي ستأخذيني إليه ..
_ مؤكد
سيعجبك جدًا .. أنا واثقة ..
ظلّتا
تتحدّثان إلى أن وصلتِ الحافلة لشارع القرطاسيات ..
نزلتا لمكان يمتدّ
على
جانبيه متاجر القرطاسيات بشكل أنيق .. تأمّلت "
ميساء " المكان في حيرة
لا
تعرف بأيّها تبدأ !
_ لا
تحتاري هكذا .. سأرشدك لأفضل القرطاسيات وبالسعر المناسب
أيضًا ..
ابتسمت
" ميساء " وهي تردّ :
_ لا
تهمني النقود .. أهم شيء أن أجد غرضي ..
تجولتا
بمتعة متناهية .. كانت القرطاسيات متفاوتة في الحجم والجمال
والأدوات
المميّزة ..
إلى أن
دخلتا " القرطاسية الأنيقة " :
_ هنا
ستجدين ما تبحثين .. فـ" نادية "
لديها أِشياء جميلة .. أحب أن أشتري من
هنا دائمًا
..
ابتسمتْ
" ميساء " وأخذتْ تتجول في
القرطاسية .. كانت القرطاسية كبيرة .. وأدواتها
متنوعة ..
ومنظمة لدرجة مدهشة .. جلستْ " ميساء " تبحث بجهد
بين الأظرف
المتراصّة ..
_ غريب
..
_ هل
تحتاجين لمساعدة ؟! (كان صوت " نادية "
السيّدة التي تشرف على المكان )
التفتتْ
ميساء لها قائلة :
_ أبحث
عن أظرف خضراء .. إنّها رابع قرطاسية أدخلها لا أعثر فيها
على أظرف
بهذا
اللون ..
نظرتْ
لها السيدة " نادية " ورمقت " مها
" بنظرة غريبة متعجبة والتي قد عقدت
الصدمة لسانها في حين أغمضت عينيها باستياء إلا
أن السيدة " نادية " حاولت أن تكون
لطيفة وهي تردّ:
_ أظنّ بأنّك نزيلة جديدة .. وربما لا تعلمين بأنّ الأظرف
الخضراء لا تباع أبدًا هنا بل هي
خاصّة
بسيدات الظل ..
لم تجد " مها " بُدًّا من الخروج مباشرة وهي مستاءة بعد أن شكرت المسؤولة ..
في حين
شعرت " ميساء "بإحراج شديد وخرجت
في إثر " مها " .. وبمجرد أن خرجتا
أدارت السيّدة " نادية " قرص الهاتف وهي ترقبهما من خلف زجاج المتجر !
- 5 -
كانتا في مقهى أنيق وكبير وعلى ما يبدو بأن هذا المقهى سيكون شاهدًا على
الكثير
من التفاصيل الكثيرة بينهما .. إذ توغلتا داخل المقهى وجلستا
في أقصى زاوية
فيه ..
_ لا
أعرف ماذا جرى لك ؟! لماذا أنت مصرّة أن تضعي نفسك
في مشكلة أخرى أكبر
من
الأخرى ..
كان الصمت يعمّ المكان وصوت " مها " يصدح بلا وعي منها .. ومن حسن حظهما بأنّه
حتّى الآن هما أوّل مرتادي المقهى ..
_
ميساء يجب أن تستوعبي حجم الجهود التي بذلتها السيّدة " آمال " والسيدة "
منال"
لتبررّا
موقفك بعد رفضك الاعتذار للسيّدة " أمل "
..
قطعت
انفعال " مها " النادلة التي أصدرت
صوتًا للتنبيه في البداية ثم ابتسمت قائلة :
_ عفوًا
أعتذر لمقاطعتك .. لكن أردتُ أن أستفسر هل هو ذات طلبك
المعتاد ؟
أجابتْ
بإيماءة موافقة ثم أشارتْ لـ " ميساء " وهي
تحاول أن تضبط جماح غضبها
بينما التفتت الأخيرة لها قائلة : قهوة سوداء ..
_ألا
تريدين كعكًا نحن نشتهر بكعك الليمون والتفاح هل تريدين تجربتها ؟
_
لابأس بالليمون ..
_ شكرًا
لك ..
دونتْ ما طُلِب منها وأعادتْ عليهما الطلبات ثم
تركتهما في هدوء بعد أن أشارت
لـ " مها " بأنّ صوتها عال .. في حين قالت " ميساء " وهي تحاول بقدر ما تستطيع
أن تضبط نفسها :
_ لا
أفهم لماذا أنت منزعجة بكل هذا القدر ؟
لا علاقة لكِ بما أقوم به ..
_ لا ، الأمر
عندي لا يستقيم هكذا ؛ بل لي علاقة .. إذا رأيتُك تُقدمين على خطأ
فإنّي
سأوقفكِ قبل أن تقعي فيه .. أليس هذا هو المعنى الحقيقي
للصداقة ؟!
صمتتْ "
ميساء " أمام كلمة الصداقة .. في حين تابعت " مها "
حديثها :
_ هل
سألت مسؤولات القرطاسيات اللاتي دخلناها أم فقط القرطاسية الأخيرة ؟
كوني صادقة معي ..
_فقط سألت ثلاثة ..
وضعتْ "
مها " يدها على رأسها وأسندتْ مرفقها على الطاولة بينما "
ميساء "
تابعت
حديثها :
_ لقد كنتُ متعجبة من استغرابهن ..إنّهن لئيمات .. لم يشرن حتى إلى الأمر وبأنّها
ليست موجودة .. بل تركنني أبحث كالبلهاء ..
_
اسمعي الأمر ليس وكأنّك لا تعلمين .. الفكرة
كلّها غريبة في بحثك عن أظرف ذات
لون
أخضر كلّ الألوان كانت متوفرة أمامك .. لا
أريد أن أسيء الظن .. ولكن هل كنت
تنوين
أن تستخدميها بما له علاقة بسيدات الظل ؟
نظرت "
ميساء " بامتعاض ولم تجب بل فضلتْ الصّمت بينما تنهدت " مها
" :
_ إذن
استنتاجي والسيّدة نادية في مكانه .. كنت
تنوين أن تنتحلي شخصية سيّدة الظل ..
ولكن ..
لكن لماذا ؟ ما الذي يدفعك لذلك ؟! لا أتخيلك شخصًا يحب أن يتلاعب
بأحدهم ..
ردّت "
ميساء" بانزعاج :
_
أعتقدُ أني أسأت التصرّف وتقدير بعض الأمور ..
كنتُ أريد أن أفهم لماذا تركتني
"
نسرين " ؟!
_ نسرين !
من ..؟!
_ حسنًا
هناك جزء لم أخبركِ به .. بل لم تتح لي الفرصة أن أتحدث
عنه ..
في تلك
اللحظة جاء طلبهما .. وضعت النادلة الطلب ..
كان طلب " مها " شاي أحمر مع
فطيرة تفاح .. غادرتهما وهي تتمنّى لهما وقتًا ممتعًا تأملت " ميساء "المكان الذي بدأ
يمتلئ في حين أعادتها " مها " لذات الموضوع قائلة :
_ ها
أنا أسمعك .. أودّ أن أعرف القصّة جيّدًا .. وأفهم
سبب تفكيركِ الذي وضعته حيّز
التنفيذ
مباشرة دون حتى استشارة ..
_
بالطبع لو استشرتكِ .. كنتِ سترفضين ..
_ مؤكد
سأفعل .. لأنّنا يفترض كأشخاص ناضجين علينا أن نسمح
لمساحة من الحوار
بيننا .. حتى
لو كنّا سلفًا نقدّر النتائج السيئة .. هيّا أخبريني بما لديك ..
وبعد
أن قصّت لها تعارفها مع " نسرين " وكيف
أنّها بعد زيارة مليئة بالتعارف والودّ
ومشاركة
بعضهما لكثير من الأمور :
_ لا
أعرف ماذا دهاها ؟ حتّى فكرة أنّه لا يصح أن أقابل أحدًا وطلبها
ذاك منّي بأن
لا أخبر أحدًا عن لقائنا ودعوتها لي بتّ أشكّ في
مصداقيتها ..
_
الحقيقة ليس لدي أدنى فكرة عن قانون كهذا ..
ربما هو موجود .. ربما، لكن لأنّي
لم
أتعرض لموقف مشابه فأنا أجهله ..
_
وظننتُ أنّي حين أرسل لها بصفتي سيّدة الظل لأشرح لها مفهوم الصداقة
الحقيقة
.. ظننتُ بأنّي سأجعلها تشعر بالذنب على الأقل
..
_
ولماذا لم تفكري في مواجهتها ؟ أو إرسال رسالة عادية ..
_
حاولتُ .. ولكنها لم تعطني فرصة .. وفكّرتُ
بالرسائل الصريحة ولكنّ كبريائي
منعني
من ذلك .. شعرتُ بأنّي كلّمتها أكثر من مرة ولكنها
إما تجيب بالرفض وإمّا
تتجاهلني
بعدم الردّ .. وحين رأيتُ رسالة سيّدة الظلّ طرأتْ لي هذه
الفكرة ..
_ كدتِ
أن تعرّضي نفسك لموقف كهذا وترسمين صورة
غير جيّدة عن ذاتك
من
أجلها ! لماذا ؟!
وكأنّما وضعتها أمام حقيقة صادمة .. شربتْ " مها " قليلاً من الشاي .. بعد أن
المقهى الذي امتلأ ثم أكملت وهي تحاول أن يكون صوتها بحدود ميساء :
_
اسمعي لا أستطيع أن أحكم عليها .. خصوصًا
أنّها مرّت بتجربة قاسية جدًا ..
وصدمة
عنيفة على الأقل بالنسبة لها ..
_ إذن
أنت تعرفين قصتها ..
_ أغلب
الضاحية تعرف جزءا من القصة .. لا أعرفها بشكل شخصي ولكنّي
كونت
عنها فكرة من خلال مقالاتها الأسبوعية التي كانت
تكتبها .. إذ كانت تكتب عن
الصداقة بيأس وانتقام والحقيقة عليّ أن أكون منصفة فأسلوبها جميل وممتع ..
وبدا لي أنّها لم تعد تؤمن بالصداقة .. إلى أن جاءت الصدّمة حين شهّرت بخلاف
بين صديقتين كانت إحداهما قد ائتمنتها عليه .. وزاد الأمر تعقيدًا التلميحات بين
أي شخصيتين يحدث بينهما خلاف عابر..
_ هذا
فظيع ..!
_ كان
لديها شعور غريب بالانتقام من أي شخصيتين منسجمتين مع بعضهما ..
أعتقد بأنّها لم تكن مستقرّة أبدًا ذهنيًا .. وجرّاء الشكاوى والانقسامات بين مؤيد
ومعارض مكثت سنتين ممنوعة من العمل في الصّحافة .. ولكنها الآن عادت ..
ربما استقرّت حالتها .. فحديثك يدلّ على ذلك ..
_ غريب .. لم أكن أعرف ذلك .. بدت لي جدًا لطيفة وراقية وذات مشاعر فيّاضة ..
لقد
أسرتني حقًا بحديثها ..
_ وهي
كذلك .. لكنّ الصّدمات تترك ندوبًا غائرة أحيانًا لا
تُشفى بسهولة ..
نظرتا
لبعضهما في صمت :
_ يبدو
أنّي كدتُ أرتكبُ جريمة في حقّ نفسي .. من
أجل شخص فقط دفعه فضوله
لا أكثر للتقرب مني .. أتعلمين ؟! لو لم تكن صريحة معي بطلب صداقتي ما كنت
أعرتها أي اهتمام أو انتباه .. ولكن نسيتُ أنّها صحفية .. وربما أرادت محتوى
لتكتب عنه !
_ لا تكوني متشككة هكذا ربما
هي صادقة .. ربما تمرّ بضغط خاص حاليًا .. لا
نعرف ظرفها ..
_
مازلتُ غير مصدقة أنّها كانت مجرد صداقة عابرة ؟!
_ اسمعي شيء واحد لا يجب أن تقعي فيه ..أن
تحصري نفسك مع شخص واحد ..
الحياة
مفتوحة للجميع .. لا يعني أن أقبل كلّ من يمرّ من أمامي ..
ولكنّي أؤمن بالصدّاقة
المتزنة
التي لا تنتهي عندها الحياة ..
ابتسمت
" ميساء " بسخرية واستياء :
_ يا
للغرابة .. بعد كلّ هذا العمر أخفقتُ في اختيار
الصديقة المناسبة ..
_ لا
علاقة لهذا الأمر بالعمر .. ولا حتى بالتجارب أحيانًا
.. بل أعتقد البيئة .. المكان ..
البحث عن تجارب جديدة .. الظروف
التي يعيشها المرء تجبره أحيانا على اختيار المتاح
أمامه ..
كالسفر .. الغربة .. المكان الجديد .. كلّ هذه العوامل قد
تعيدك لنقطة الصفر مهما
كان
عمرك .. لذلك التروي والحذر هو ما يجب علينا أن
نتخذه كوسيلة دفاع لحماية
مشاعرنا من أيّ ألم قادم ..
ثم
ابتسمتْ وهي تكمل حديثها في محاولة منها لتغيير دفّة الحديث :
_
أتدرين بأنّ هناك من سبقك لهذه الفكرة
ونفذها ؟
نظرت
بانتباه لـ" مها " التي ماتزال تتحدث
بابتسامة :
_ كنتِ
ستعيدين التاريخ .. الأمر
وقتها سبب ضجة رهيبة .. حتى على الصحف ..
ولذا
تمّ حظْر بيع الظروف الخضراء نهائيًا من الضاحية ..
_ يا لله ! وهل
عرفتم السيّدة ؟
_ لا ،
هذا ما لا تسمح به القوانين هنا ..
_
خسارة ..
_
علينا أن نفكر جيدًا كيف نبرر طلبك ؟! فالأمر كان
واضحًا جدًا ..
_
أرجوك لا تشعريني بأنّي كنت متهورة .. وحمقاء ..
_ لن
أفعل لكن يجب أن تفكري بمنطقية .. أنت من
سكان الضاحية الآن .. لا أريد
أن ترسمي صورة مشوّهة لنفسك غير الصورة الجميلة
التي تتمتعين بها ..
شعرتْ "
ميساء " لأول مرة بشعر غريب لم تستطع وصفه .. شعور
بالامتنان لهذه
الإنسانة التي تحمل همّها وتحاول جاهدة أن ترسم
لها طريقًا مفروشًا بالورود ..
"
مها .. أهذا أنت ..؟! "
" سارة ! أهلا .. أهلا .. "
كان الصوت من سيّدة لطيفة سلّمت عليهما وتجاذبت معهما أطراف الحديث ..
" ما رأيك بدعوة حفلة الاستقبال للنزيلات الجديدات ؟! "
_ هل تمّ توزيعها ؟! ( نظرت لميساء ) لم أتفقد بريدي اليوم كنت مشغولة لدرجة رهيبة ..
" لا أصدق ، أنّك لاتهتمين .. إنّها أجمل بكثير من دعوتنا قبل سنوات "
_ لكلّ جيل فرصته .. لاداعي لفتح باب الغيرة الآن ..
ضحكتا .. وتحدثتا لدقائق لكنّ حديثها ترك في نفس " ميساء " شعورًا بالقلق..
بعد أن تركتهما التفتت " مها " قائلة باستغراب :
_ لم
تخبريني بموضوع الدعوات ! كنتِ متحمسة جدًّا لها ..
ردّت ميساء :
_ حسنًا
.. أنا مندهشة .. لم تصلني أيّ دعوة حتى الآن .. لقد
صدمتني هذه السيّدة ..
رانت
لحظة صمت في حين أكملت :
_ هل
تظنين بأنّه لن تتمّ دعوتي من أجل تلك السيّدة ؟
_ لا، لا
يمكن أبدًا أن يحدث ذلك ..
_ لذلك
السيّدة آمال لم تتطرق معي للموضوع ولم تردّ حتى على رسالتي ..
_ لِم
تسيئين الظن هكذا ؟!
بينما تابعت "ميساء " بغضب :
_
السيّدة آمال قالت بأنّ القوانين لا تتغيّر ..
ولكن انظري في العمل عندنا لقد قاموا
بوضع قانون جديد من أجل تلك السيّدة .. هم لم يغيّروا ولكنّهم أضافوا .. يا لها من
طبقيّة مقيتة تعيشها هذه الضاحية ..
انقلبت
دهشة " مها " لضحكة عالية لفتت
أنظار من حولها من مرتادي المقهى
ثم تداركت نفسها قبل أن ترد :
_ كيف
تفكرين هكذا ؟ أنت نزيلة جديدة ولابدّ أن تصلك الدّعوة ..
ربما لم ينته
توزيع
الدّعوات .. صدقيني ثمّة أمر آخر لتفسير الدّعوة التي لم
تصلك ..
سكتت
" ميساء " وهي تتمتم بامتعاض : ومن يحفل أصلا بحفلتهم ..
نظرت
لها "مها " نظرة ملؤها التعاطف ..
بقيتا
في المقهى حتى الثامنة مساء .. تحدثتا في مواضيع كثيرة ..
شعرتْ فيها
"
ميساء " بمشاعر مليئة بالتناقضات .. ما بين فرح وحزن ..
وخوف وأمان ..
عادت
للمنزل الساعة التاسعة بعد أن تناولت العشاء .. طلبت من "
نارين " أن تعدّ
لها
كوبًا من الشاي الأخضر وتوافيها به في غرفة المكتب ريثما تبدّل ملابسها ..
كثيرة
هي الأحداث التي مرّت بها اليوم .. وعليها
أن تدونها في يومياتها دون أن
تُغفِل
أيّ تفصيلة ..
مرّت ثلاثة أيام دون أثر للدعوة .. كانت تستقبل الصحف اليوميّة التي اشتركت فيها
وتأمل
أن تجد بينها بطاقة الدّعوة ولكن سرعان ما
يتبدّد الأمل حين تكتشف بأنّه لا يوجد
أيّ
دعوة تخصّ الحفل .. كلّ شيء بخصوص الدّعوة تناقلته الصحف ..شكلها
.. نصّها ..
لونها
البديع .. المقالات التي كُتبت بشأنها .. وكيف
سيكون هذا الحفل ؟! وما مدى
استعداد
الضاحية له ؟ فحفل العام مازال عالقًا في الذاكرة ..
على
مدار الأيّام الماضية عرفت كلّ شيء عن الحفل والعادات الأساسية التي تتميز بها
هذه
الحفلة الخاصّة .. إنّها تقرأ وهي تزداد يقينًا أنّها لم تدع إليه بسبب تلك السيدة
المتغطرسة ذات النفوذ .. رغم تكرار " مها " لها بأنّ هناك
خطبًا وشيئًا لا علاقة له
بهذا الأمر
.. ومع ذلك تظاهرت بأنّها غير مهتمة .. وتحاول
تجاهل الموضوع كلّما
تطرق
إليه أحد في العمل ..
كانت
الساعة السادسة من مساء يوم الثلاثاء .. حين
دخلت منزلها .. شعرت بإرهاق
شديد ..
وبعد أن بدّلت ملابسها .. قامت وأعدّت شايًا مع قطع من البسكويت .. تمنّت
لو أنّ
نارين موجودة حتى تعدّ لها العشاء .. كان ذهنها مشغولا .. كانت منزعجة
لدرجة
أنّها لا ترغب في فعل أيّ شيء ..جلست على الأريكة بإحباط :
"
الحفلة بعد شهر ونصف .. وأغلب السيدات يتحدثن عنها
.. وعن الملابس ..
وعن
التفاصيل والأفكار لم أجرؤ حتى أن أخبرهنّ أنّي لست مدعوة ..
ولن أفعل
حتى لو تظاهرتُ يومها بالمرض ..
لن أعطي أحدًا إحساسا بأنّي منبوذة لو تواطأت
عليّ
الضاحية كلّها ..يا لله .. بمجرد أن أفكر في هذا الأمر أشعر
بالغضب .. كلّ هذا
بسبب
سيّدة متعجرفة "
ثم هدأتْ قليلا ًوهي تشرب من الشاي وتقضم معه جزءًا
من البسكويت
"
وماذا يعني حفلة ؟ لا يجب أن أجعلها أكبر اهتمامي .. هل
أكذب على
نفسي ؟
أنا أحب الحفلات .. هل من المعقول أنّه لن تتم دعوتي ؟ أم أنّ
هناك
أمرًا كما تدّعي مها " وبينما
هي تحاول أن تجرع الشاي بمرارة ..
رنّ
جرس الهاتف .. أخذت وقتًا لتستوعب الصوت ثم هرعت راكضة لتجيب
عليه
ولكنّها
توقفت قبل أن ترفع سماعة الهاتف "
ماذا لو كانت نسرين؟ لا ، ولو أنّها
"
مها " .. أو السيدة آمال ماذا علي أن أفعل ؟! "
شعرت
بتوتر شديد .. " حتى الهواتف على الطراز العتيق لا يوجد
فيها أيّ إشارة
لمن
يتصل .. أخخخ "
زفرت بانزعاج وعادت لغرفة الجلوس لتكمل الشاي ..
" لن أردّ.. " نظرتْ للساعة
التي
جعلتها تشعر بانزعاج وصدمة "
أوووه الثامنة .. وإن يكن الوقت متأخر بالنسبة
لي .. لن
أردّ "
ظلّ
الهاتف يرنّ على فترات متباعدة .. مثيرًا
لقلقها وتخمينها .. حتى أنّه رنّ وهي
على
سريرها مستعدّة للنوم اعتدلت جالسة شاعرة بقلق وتوتر " من هذا الذي يصرّ
على الاتصال ؟! ماذا لو كانت السيّدة آمال ؟! ربما تريد مني أن أعتذر لتلك السيّدة
حتى تتم دعوتي .. لا ، لا أظنّ ذلك فالوقت متأخر جدًا لأمر كهذا .. "
توقف الهاتف عن الرنين أخيرًا .." هذا أفضل .. ولكن ماذا لو كان أحد يطلب
المساعدة ؟! " لكنّها لم تلبث أن ابتسمت بسخرية من نفسها لهذه الخاطرة الغريبة
التي طرأت في بالها وعادت لتستلقي " مساعدة ؟ وممن ؟ من نزيلة جديدة ؟!
يا لي من متفائلة طيبة القلب .. لا أحد يجرؤ أن يتصل في مثل هذا الوقت سوى
" نسرين " .. أنا متأكدة "
أغمضت
عينيها ثم فتحتها وهي تستدرك " أظنّ أنّها هي .. أظنّ "
وغرقت
في سبات عميق رغم كلّ المخاوف .. والهواجس
..
في
الصباح استيقظت بخوف على قرع الجرس وطرق الباب بقوّة ..
شعرت
بخوف .. وهي تنهض بفزع إذ تذكرت أنّها نامت على رنين
الهاتف
وها هي تستيقظ على قرع الجرس بتواصل ..
" ما
الذي يحدث ؟! "
.. يتــبــــــــع ..
الكاتبة
حنان الغامدي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أعـــزائي الكــرام ...
حتى تستطيعوا التعليق يمكنكم اختيـــار
التعليق بـاسـم :URL الاســــم / العنوان
أشــــــــرف بقـــــــراءة تعـــليقـــاتكـــم ...
فـــرأيكــــم محـــــــطّ اهـــتمـــــــامي ....
<<
<<
<<